فصل: التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقًا لله تعالى أمران:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تعليق مختصر على كتاب لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد (نسخة منقحة)



.القدر:

من صفات الله تعالى أنه الفعال لما يريد كما قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}. فلا يخرج شيء عن إرادته وسلطانه، ولا يصدر شيء إلا بتقديره وتدبيره، بيده ملكوت السماوات والأرض، يهدي من يشاء برحمته ويضل من يشاء بحكمته، لا يسال عما يفعل لكمال حكمته، وسلطانه، وهم يسألون، لأنهم مربوبون محكومون.
والإيمان بالقدر واجب، وهو أحد أركان الإيمان الستة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خير وشره» رواه مسلم وغيره، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «آمنت بالقدر خيره وشره، حلوه، ومره». فالخير والشر باعتبار العاقبة والحلاوة والمرارة باعتبار وقت إصابته. وخير القدر ما كان نافعًا وشره ما كان ضارًا أو مؤذيًا.
والخير والشر هو بالنسبة للمقدور وعاقبته، فإن منه ما يكون خيرًا كالطاعات، والصحة، والغنى، ومنه ما يكون شرًا كالمعاصي، والمرض، والفقر، أما بالنسبة لفعل الله فلا يقال: إنه شر لقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت الذي علمه الحسن بن علي «وقني شر ما قضيت»، فأضاف الشر إلى ما قضاه لا إلى قضائه.

.والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور:

الأول: الإيمان بأن الله عالم كل ما يكون جملة وتفصيلًا بعلم سابق؛ لقوله تعالى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ}.
الثاني: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء لقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}. أي تخلق الخليقة، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» رواه مسلم.
الثالث: أنه لا يكون شيء في السماوات والأرض إلا بإرادة الله ومشيئته الدائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء برحمته، ويضل من يشاء بحكمته، لا يسأل عما يفعل لكمال حكمته وسلطانه، وهم يسألون، وما وقع من ذلك فإنه مطابق لعلمه السابق ولما كتبه في اللوح المحفوظ؛ لقوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}. {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}. فأثبت وقوع الهداية والضلال بإرادته.
الرابع: أن كل شيء في السماوات والأرض مخلوق لله تعالى، لا خالق غيره ولا رب سواه؛ لقوله تعالى: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}. وقال على لسان إبراهيم: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.

.القدر ليس حجة للعاصي على فعل المعصية:

أفعال العباد كلها من طاعات ومعاصي كلها مخلوقة لله كما سبق، ولكن ليس ذلك حجة للعاصي على فعل المعصية، وذلك لأدلة كثيرة منها:
1- أن الله أضاف عمل العبد إليه وجعله كسبًا له فقال: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}. ولو لم يكن له اختيار في الفعل وقدرة عليه ما نسب إليه.
2- أن الله أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع؛ لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}. {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}. ولو كان مجبورًا على العمل ما كان مستطيعًا على الفعل، أو الكف؛ لأن المجبور لا يستطيع التخلص.
3- أن كل واحد يعلم الفرق بين العمل الاختياري والإجباري، وأن الأول يستطيع التخلص منه.
4- أن العاصي قبل أن يقدم على المعصية لا يدري ما قدر له، وهو باستطاعته أن يفعل أو يترك، فكيف يسلك الطريق الخطأ ويحتج بالقدر المجهول؟! أليس من الأحرى أن يسلك الطريق الصحيح ويقول: هذا ما قدر لي؟!
5- أن الله أخبر أنه أرسل الرسل لقطع الحجة:{لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل}. ولو كان القدر حجة للعاصي لم تنقطع بإرسال الرسل.

.التوفيق بين كون فعل العبد مخلوقًا لله وكونه كسبًا للفاعل:

عرفت مما سبق أن فعل العبد مخلوق لله، وأنه كسب للعبد يجازي عليه الحسن بأحسن، والسيئ بمثله فكيف نوفق بينهما؟

.التوفيق بينهما أن وجه كون فعل العبد مخلوقًا لله تعالى أمران:

الأول: أن فعل العبد من صفاته، والعبد وصفاته مخلوقان لله تعالى.
الثاني: أن فعل العبد صادر عن إرادة قلبية وقدرة بدنية، ولولاهما لم يكن فعل، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله تعالى، وخالق السبب خالق للمسبب، فنسبة فعل العبد إلى خلق الله له نسبة مسبب إلى سبب، لا نسبة مباشرة؛ لأن المباشر حقيقة هو العبد، فلذلك نسب الفعل إليه كسبًا وتحصيلًا، ونسب إلى الله خلقًا وتقديرًا، فلكل من النسبتين اعتبار والله أعلم.

.المخالفون للحق في القضاء والقدر والرد عليهم:

المخالفون للحق في القضاء والقدر طائفتان:

.الطائفة الأولى: الجبرية:

يقولون: العبد مجبور على فعله وليس له اختيار في ذلك.
ونرد عليهم بأمرين:
1- أن الله أضاف عمل الإنسان إليه وجعله كسبًا له يعاقب ويثاب بحسبه، ولو كان مجبورًا عليه ما صح نسبته إليه ولكان عقابه عليه ظلمًا.
2- أن كل واحد يعرف الفرق بين الفعل الاختياري والاضطراري في الحقيقة والحكم، فلو اعتدى شخص على آخر وأدعى أنه مجبور على ذلك بقضاء الله وقدره لعد ذلك سفهًا مخالفًا للمعلوم بالضرورة.

.الطائفة الثانية:القدرية:

يقولون:العبد مستقل بعمله ليس لله فيه إرادة، ولا قدرة، ولا خلق.
ونرد عليهم بأمرين:
1- أنه مخالف لقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْء}. {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}.
2- أن الله مالك السماوات والأرض فكيف يكون في ملكه ما لا تتعلق به إرادته وخلقه؟!

.أقسام الإرادة والفرق بينهما:

إرادة الله تنقسم على قسمين كونية وشرعية:
فالكونية: هي التي بمعنى المشيئة كقوله تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا}.
والشرعية: هي التي بمعنى المحبة، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ}.
والفرق بينهما أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبًا لله، وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبًا لله ولا يلزم وقوعه.

.الإيمان:

الإيمان لغة: التصديق.
واصطلاحًا: قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان.
مثال القول: لا إله إلا الله.
ومثال العمل: الركوع.
ومثال العقد: الإيمان بالله وملائكته وغير ذلك مما يجب اعتقاده.
والدليل على أن هذا هو الإيمان قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}. فجعل الإخلاص، والصلاة، والزكاة من الدين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» رواه مسلم بلفظ «فأفضلها قول لا إله إلا الله» وأصله في الصحيحين.
والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية؛ لقوله تعالى: {فَزَادَهُمْ إِيمَانًا}. {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِم}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من إيمان» رواه البخاري بنحوه. فجعله النبي صلى الله عليه وسلم متفاضلًا، وإذا ثبتت زيادته ثبت نقصه؛ لأن من لازم الزيادة أن يكون المزيد عليه ناقصًا عن الزائد.

.فصل في السمعيات:

السمعيات كل ما ثبت بالسمع أي بطريق الشرع ولم يكن للعقل فيها مدخل، وكل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار فهي بحق يجب تصديقه سواء شاهدناه بحواسنا، أو غاب عنا، وسواء أدركناه بعقولنا أم لم ندركه لقوله تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ}. وقد ذكر المؤلف من ذلك أمورًا:

.الأمر الأول: الإسراء والمعراج:

الإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا. وقيل بمعنى سرى.
وشرعًا: سير جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس؛ لقوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى}.
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها وهي المصعد.
وشرعًا: السلم الذي عرج به رسول الله صلى الله عليه وسلم. من الأرض إلى السماء لقوله تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى}. إلى قوله: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى}. وكانا في ليلة واحدة عند الجمهور، وللعلماء خلاف متى كانت؟ فيروى بسند منقطع عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أنها ليلة الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ولم يعينا السنة رواه ابن أبي شيبة.
ويروى عن الزهري وعروة أنها قبل الهجرة بسنة. رواه البيهقي، فتكون في ربيع الأول، ولم يعينا الليلة، وقاله ابن سعد وغيره وجزم به النووي. ويروى عن السدي أنها قبل الهجرة بستة عشر شهرًا. رواه الحاكم. فتكون في ذي القعدة.
وقيل: قبل الهجرة بثلاث سنين. وقيل: بخمس. وقيل: بست.
وكان يقظة لا منامًا، لأن قريشًا أكبرته وأنكرته، ولو كان منامًا لم تنكره لأنها لا تنكر المنامات.
وقصته: أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس على البراق، ثم يعرج به إلى السماوات العلى سماء، سماء، حتى بلغ مكانًا سمع فيه صريف الأقلام، وفرض الله عليه الصلوات الخمس، وأطلع على الجنة والنار، واتصل بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إمامًا، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون، وصدق به المؤمنون وتردد فيه آخرون.

.الأمر الثاني: مجيء ملك الموت إلى موسى:

«جاء ملك الموت بصورة إنسان إلى نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام ليقبض روحه، فلطمه موسى ففقأ عينه، فرجع الملك إلى الله وقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت فرد الله عليه عينه. وقال: ارجع إليه، وقل له يضع يد على متن ثور فله بما غطى يده بكل شعرة سنة. فقال موسى: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت قال: فالآن. فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية حجر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر». وهذا الحديث ثابت في الصحيحين وإنما أثبته المؤلف في العقيدة لأن بعض المبتدعة أنكره معللًا ذلك بأنه يمتنع أن موسى يلطم الملك. ونرد عليهم: بأن الملك أتى موسى بصورة إنسان لا يعرف موسى من هو؟ يطلب منه نفسه، فمقتضى الطبيعة البشرية أن يدافع المطلوب عن نفسه، ولو علم موسى أنه ملك لم يلطمه، ولذلك استسلم له في المرة الثانية حين جاء بما يدل أنه من عند الله، وهو إعطاؤه مهلة من السنين بقدر ما تحت يده من شعر ثور.

.الأمر الثالث: أشراط الساعة:

الأشراط جمع شرط وهو لغة العلامة. والساعة لغة الوقت أو الحاضر منه.. والمراد بها هنا: القيامة. فأشراط الساعة شرعًا العلامات الدالة على قرب يوم القيامة قال الله تعالى: {فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا}. وذكر المؤلف من أشراط الساعة ما يأتي:
1- (خروج الدجال) وهو لغة صيغة مبالغة من الدجل، وهو الكذب والتمويه.
وشرعًا: رجل مموه يخرج في آخر الزمان يدعي الربوبية. وخروجه ثابت بالسنة، والإجماع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» رواه مسلم.
وأجمع المسلمون على خروجه.
وقصته أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق، فيدعو الناس إلى عبادته فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب. ويتبعه سبعون ألفًا من يهود أصفهان، فيسير في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح، إلا مكة والمدينة فيمنع منهما، ومدته أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وباقي أيامه كالعادة، وهو أعور العين مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار، فجنته نار، وناره جنة. حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «من سمع به فلينأ عنه، ومن أدركه فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف، أو بفواتح سورة الكهف».
2- (نزول عيسى ابن مريم): نزول عيسى ابن مريم ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ}. أي: موت عيسى، وهذا حين نزوله كما فسره أبو هريرة بذلك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله لينزلن عيسى ابن مريم حكمًا وعدلًا». الحديث متفق عليه.
وقد أجمع المسلمون على نزوله، فينزل عند المنارة البيضاء في شرقي دمشق، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، فلا يحل لكافر يجد من ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه، فيطلب الدجال حتى يدركه بباب لد فيقتله، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، وتكون السجدة واحدة لله رب العالمين ويحج ويعتمر، كل هذا ثابت في صحيح مسلم وبعضه في الصحيحين كليهما. وروى الإمام أحمد وأبو داود أن عيسى يبقى بعد قتل الدجال أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون. وذكر البخاري في تاريخه أنه يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فالله أعلم.
3- (يأجوج ومأجوج) اسمان أعجميان، أو عربيان مشتقان من المأج وهو الاضطراب، أو من أجيج النار وتلهبها.
وهما أمتان من بني آدم موجودتان بدليل الكتاب، والسنة.
قال الله تعالى في قصة ذي القرنين: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا}. الآيات.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله يوم القيامة: يا آدم، قم فابعث بعث النار من ذريتك»، إلى أن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشروا فإن منكم واحدًا ومن يأجوج ومأجوج ألفًا» أخرجاه في الصحيحين.
وخروجهم الذي يكون من أشراط الساعة لم يأت بعد، ولكن بوادره وجدت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها».
وقد ثبت خروجهم في الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَق}. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات». فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم. رواه مسلم، وقصتهم في حديث النواس بن سمعان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عيسى ابن مريم بعد قتله الدجال: «فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم ويقول: لقد كان بهذه مرة ماء، ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر، وهو جبل ببيت المقدس، فيقولون: لقد قتلنا من في الأرض هلم فلنقتل من في السماء، فيرمون بنشابهم إلى السماء، فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دمًا، ويحصر نبي الله وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل عليهم طيرًا كأعناق البخت فتحمهم فتطرحهم حيث شاء الله». رواه مسلم.
4- (خروج الدابة) الدابة لغة: كل ما دب على الأرض. والمراد بها هنا: الدابة التي يخرجها الله قرب قيام الساعة.. وخروجها ثابت بالقرآن والسنة.
قال الله تعالى: {وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لن تقوم الساعة حتى تروا قبلها عشر آيات» وذكر منها الدابة. رواه مسلم.
وليس في القرآن والسنة الصحيحة ما يدل على مكان خروج هذه الدابة وصفتها، وإنما وردت في ذلك أحاديث في صحتها نظر. وظاهر القرآن أنها دابة تنذر الناس بقرب العذاب والهلاك. والله أعلم.
5- (طلوع الشمس من مغربها) طلوع الشمس من مغربها ثابت بالكتاب والسنة.
قال الله تعالى:{يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا}. والمراد بذلك طلوع الشمس من مغربها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا» متفق عليه.